عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
11
معارج التفكر ودقائق التدبر
ولمّا اقترب من أرض الطّائف خرجت إليه ثقيف ، فصانعوه ، وبعثوا معه « أبا رغال » دليلا إلى مكّة ، فلمّا وصلوا « المغمّس » وهو مكان قريب من مكّة مات « أبو رغال » فدفن هناك ، فصارت العرب ترجم قبره بعد ذلك . وبعث « أبرهة » رجلا من الحبشة ، يقال له : « الأسود بن مقصود » في خيل له ، حتّى انتهى إلى مكّة ، فساق إليه أموال أهل تهامة ، من قريش وغيرهم ، وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطّلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها . فهمّت قريش ، وكنانة ، وهذيل ، ومن كان بمكّة وما حولها من سائر النّاس بقتاله ، ثمّ عرفوا أنّهم لا طاقة لهم به ، فأحجموا عن ذلك . وبعث « أبرهة الأشرم » رسولا إلى مكّة يقال له : « حناطة الحميريّ » وقال له : سل عن سيّد أهل هذا البلد وشريفها ، ثمّ قل له : إنّ الملك يقول لك : إنّي لم آت لحربكم ، وإنّما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم ، فإن هو لم يرد حربي فأتني به . فلمّا دخل « حناطة الحميريّ » مكّة ، سأل عن سيّد قريش وشريفها ، فقيل له : « عبد المطّلب بن هاشم » . فجاءه ، فقال له ما أمره به أبرهة ، فقال له عبد المطّلب : واللّه ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت اللّه الحرام ، وبيت خليله إبراهيم عليه السّلام ، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخلّ بينه وبينه ، فو اللّه ما عندنا دفع عنه . فقال له « حناطة الحميري » : فانطلق معي إليه ، فإنّه قد أمرني أن آتيه بك . فانطلق معه عبد المطّلب ، ومعه بعض بنيه ، حتّى أتى المعسكر ، فسأل عن « ذي نفر » وكان له صديقا ، حتّى دخل عليه وهو في محبسه ، فقال له : يا ذا نفر ، هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟ .